Wednesday, September 30, 2026

صاحب البيزنس


كثير ممن ينظرون إلى أصحاب البيزنس من الخارج يرون صورة «وردية».. شخصًا يجلس ويجني الأموال، وانتهى الأمر.

لكن الحقيقة أنك لو جلست مكان «السائق» ولو ليوم واحد، فسترى تفاصيل مختلفة تمامًا، وستدرك أن امتلاك البيزنس لا يعني فقط الأرباح والحرية والاستقلال.. بل يحمل معه مسؤولية وضريبة نفسية وصحية قد تكون ثقيلة جدًا.

ولكي تكتمل الصورة ونبتعد عن التسطيح، دعني أحدثك عن بعض الكواليس التي لا يراها كثيرون:

١. صاحب البيزنس يتخذ عشرات وربما مئات القرارات بصورة مستمرة، من تفاصيل تشغيلية صغيرة إلى قرارات قد تؤثر في استراتيجية الشركة لسنوات. هذا التراكم يصنع ما يُعرف بـ«إرهاق اتخاذ القرار» Decision Fatigue، وقد يصل إلى نهاية يومه غير قادر على اتخاذ أبسط قرار شخصي في بيته.. لأن «مخزن القرارات» استُهلك بالكامل في العمل.

٢. وعقله أشبه بـ«سيرفر» يعمل طوال الوقت. المشكلات قد تذهب معه إلى البيت، وتسهر معه، وتستيقظ معه، وربما تأتيه فكرة أو مشكلة في منتصف الليل فتطير النوم من عينيه. من الصعب أحيانًا أن يخرج بالكامل من «مود الشغل».. لأنه لا يعمل داخل البيزنس فقط، بل يعيش معه.

٣. صاحب البيزنس غالبًا هو الشخص المطالب بامتصاص غضب العميل، ومشكلات المورد، وإحباطات الموظفين، وضغوط السوق. وفي الوقت نفسه عليه أن يظل «الوجه الهادئ» الذي يمنح الفريق شعورًا بالأمان، حتى لو كان هو نفسه قلقًا مما سيحدث غدًا. هو من يتلقى «الخضة الأولى» حتى يستطيع الآخرون مواصلة عملهم بهدوء.

٤. وهو مطالب أيضًا بأن يرى «غدًا» الذي لم يأتِ بعد، وهذا يخلق أحيانًا فجوة بينه وبين فريق منشغل بتفاصيل «اليوم». وهنا يظهر أحد أصعب جوانب القيادة: أن تظل قادرًا على شحن طاقة الآخرين، والصبر على نتائج لم تظهر بعد، والاستمرار في الإيمان بالفكرة في وقت قد لا يرى فيه الآخرون ما تراه أنت.

٥. الموظف يبني جزءًا كبيرًا من خطته الشخصية على راتب ثابت يعرف قيمته وموعده، بينما يعيش صاحب العمل في بيئة قد تتغير في لحظة. قوانين جديدة، وتذبذب في أسعار الصرف، وشحنة تتعطل في الجمارك، أو حرب توقف سوقًا كاملًا.. كلها عوامل تجعله في حالة استنفار ذهني مستمرة، ومطالبًا بوضع «خطة ب» و«خطة ج» لمتغيرات لا يملك السيطرة عليها أصلًا.

٦. ومن أكبر مصادر القلق أن يكون البيزنس رابحًا «على الورق» بينما الخزينة فارغة. الربحية شيء، والتدفقات النقدية شيء آخر تمامًا. مواعيد التحصيل، والشيكات، والرواتب، والموردون، والأقساط والالتزامات قد تجعل صاحب العمل في سباق دائم مع الزمن.. وهي معركة يومية لا يراها من يقف خارج الشركة وينظر فقط إلى حجم المبيعات والأرباح.

٧. وفي الأزمات أو الشهور «النايمة»، يفكر الموظف في راتبه، وهذا حقه تمامًا.. بينما يفكر صاحب البيزنس في بقاء الكيان كله. وفي أوقات كثيرة ربما يمر الشهر وصاحب الشركة يدفع من ماله الشخصي، أو يتنازل عن نصيبه بالكامل، حتى يغطي الالتزامات والرواتب وتظل بيوت العاملين مفتوحة.. ربما قبل بيته هو. لا أقول أن الجميع بهذه الحالة.. لكن هذا واقع يعيشه الكثيرون.

٨. والتوسع لا يعني «فلوس أكتر» فقط. التوسع يعني أيضًا مشكلات أكثر تعقيدًا، ومصروفات إدارية أكبر، وطبقات إدارية إضافية، وفقدان جزء من السيطرة المباشرة. وأحيانًا تكون «فاتورة النمو» ثقيلة لدرجة تجعل الضغط على صاحب العمل يتضاعف رغم أن الشركة أصبحت أكبر وأكثر نجاحًا على الورق.

٩. ومن أصعب المواقف أن تكون لديك «عِشرة» طويلة مع موظف مخلص، لكنه لم يعد مواكبًا للتطور أو أصبح يعطل العمل. هنا يعيش صاحب البيزنس صراعًا حقيقيًا: هل يجامل الشخص على حساب الشركة؟ أم يتخذ القرار الذي يحمي الكيان على حساب العلاقة؟ أحيانًا يستنزف قرار واحد من هذا النوع شهورًا من التفكير والطاقة النفسية.

١٠. ثم تأتي اللحظات المصيرية، مثل إعادة الهيكلة أو إغلاق فرع أو الاستغناء عن نشاط، وهنا يصبح صاحب القرار وحيدًا بدرجة كبيرة. هو من يتحمل نتيجة القرار إذا أخطأ، ويتحمل اللوم ونظرات الآخرين إذا بدا القرار «قاسيًا» في أعينهم.. بينما قد يكون هو الوحيد الذي يعرف أن هذا القرار كان ضروريًا حتى لا تغرق المركب بالجميع.

١١. وعندما يخطئ الموظف، غالبًا ما تبقى آثار الخطأ داخل الشركة ويمكن احتواؤها. أما عندما يتعثر صاحب البيزنس، فقد تظهر الخسارة أمام السوق والموردين والعملاء والمنافسين وحتى أسرته. والخسارة هنا ليست مالية فقط.. فقد تمس السمعة والثقة بالنفس، ثم يحتاج بعدها إلى قدر كبير من القوة حتى يقف ويبدأ من جديد.

١٢. وفي النهاية، هناك ما هو أثقل من كل ما سبق: صاحب العمل غالبًا يضع جزءًا كبيرًا من مدخراته، وأحيانًا كل ما يملك وربما ديونًا أيضًا، في رهان نجاح الفكرة. وإذا غرقت المركب، فهو لا يفقد وظيفة فحسب.. بل قد يفقد سنوات من المدخرات ومستقبله المالي، وربما يضطر إلى البدء مرة أخرى من تحت الصفر.

حبيت أحكيلك عن جزء من الصورة الكبيرة التي يعيش داخلها كثير من أصحاب البيزنس.

ليس بهدف صناعة بطولة وهمية لصاحب العمل، ولا للتقليل من الضغوط التي يتحملها الموظف.. ولكن لأن الحكم على أي طرف من خارج موقعه يظل ناقصًا ما لم نرَ الصورة كاملة.

فخلف كل شركة تراها من الخارج، توجد كواليس كثيرة لا تظهر في الأرقام ولا في الصور ولا في قصص النجاح.

وبالطبع، لا يعني ذلك أن كل هذه التحديات تجتمع في كل شركة أو بالدرجة نفسها؛ فلكل بيزنس تحدياته وضغوطه الخاصة وفقًا لحجمه ومرحلته وطبيعة نشاطه وظروفه، لكن من الصعب أن تجد شركة لا تواجه بعضًا من هذه التحديات بصورة أو بأخرى.

تامر الشاعر | استشاري الإدارة والتحول المؤسسي والاستراتيجي للأعمال

#كواليس_الشركات
#مطابخ_الشركات
#ما_لا_يراه_الكثيرون

Tuesday, September 22, 2026

حوكمة التمويل المصرفي



مجمع التحرير: من يراجع الأرقام قبل أن يدفع المواطن الثمن ؟؟؟؟؟

في علوم حوكمة التمويل المصرفي (Project Finance Governance) وأصول الاستثمار الفندقي للشرائح الفاخرة (Luxury Hotel Asset Management)، تُقاس كفاءة القرارات الاستثمارية بعنصر محوري حاكم لا يقبل التأويل: 

التكلفة الاستثمارية للمفتاح/الغرفة (Cost\ per\ Key).

وعند تطبيق المعايير الدولية المعاصرة لتطوير وتجويد المباني التاريخية (Upper-Upscale Conversion) على مشروع تجديد مجمع التحرير (تحت علامة Autograph Collection الفاخرة)، نجد أنفسنا أمام معادلة ائتمانية بليغة الاستغراب والدُّوار:

1. المعادلة المترية الحاكمة (USD Anchor):
 * الطاقة الاستيعابية للمشروع: 500 مفتاح/غرفة وجناح (Keys).

 * السقف الأعلى فى مصر للتجديد الفاخر: 500,000 دولار للغرفة (شاملة التطوير الهيكلي والتجهيزات FF\&E).

 * التكلفة الرأسمالية الإجمالية القصوى (CAPEX):
   
 * المقوّم المحلي بسعر الصرف الحالي (\approx 50 جنيهاً): 12.5 مليار جنيه مصري.

2. العوار الحوكمي في هيكل الدين (LTV\ Metric): Loan-to-Valuej

تقتضي ضوابط المخاطر الرقابية والقواعد المصرفية المعتمدة ألا تتجاوز نسبة تمويل الدين (Loan-to-Value / LTV) حداً أقصى بين 50% إلى 60% من إجمالي الـ CAPEX، على أن يُغطي المطور المتبقي كرأس مال مدفوع (Equity).

 * الحد الأقصى للتمويل المصرفي حوكمياً: بين 6.25 إلى 7.5 مليار جنيه مصري.

 * الواقع المعلن إعلامياً: صدور موافقة ائتمانية بقرض يصل إلى 15 مليار جنيه مصري!

تساؤلات حوكمية مشروعة برسم الرأي العام والقطاع المصرفي:

 * كيف يُمول البنك مشروعاً بتمويل ائتماني يعادل ضعف إجمالي تكلفته الاستثمارية الحاكمة برمتها؟

 * كيف تُمنح قروض تُغطي 120% إلى 150% من القيمة الرأسمالية للأصل، في خرق صريح لقواعد الـ LTV والحدود القصوى للمخاطر (Risk-Weighted\ Assets)?

 * إذا كان المطور قد قرر بالفعل رفع مستوى التجهيزات والتكاليف الرأسمالية (CAPEX)، فأين إفصاحات الشفافية عن "الموازنة الإجمالية المحدثة" للمشروع قبل التباهي بمبلغ القرض؟

إن التغطية بالدولار تُسقط تماماً شماعة "التضخم المحلي"؛ وما شهده ملف تمويل مجمع التحرير ليس مجرد تضخم في الأرقام، بل هو عوار صارخ في حوكمة الائتمان ومخاطرة جليلة بالمال العام تُوجب المساءلة الشفافة.

بقلم: Prof. of Practice Rady Hassan Helmy
خبير الحوكمة الإستراتيجية وإدارة الدول والحكومات

Roads n Traffic


Kabul of Afghanistan:
New roads and traffic follow standard design criteria.. Not noisy debate on urban demographic capacity or demand, but correctly planning and managing the growth of war-troubled settlement.

Tuesday, September 15, 2026

رؤية للارتقاء بالفراغ العام

Suggested for you a day ago 
البازيليكا والإرتقاء؟
تابعتُ - كغيري من زملاء المهنة - مسابقة التصميم العمراني لميدان البازيليكا وشارع الأهرام بمصر الجديدة، وتوقفتُ ملياً عند تعبير "رؤية للارتقاء بالفراغ العام"، وبدأتُ أفكر: ما المقصود حقاً بكلمة "ارتقاء"؟

سألتُ صديقي Gemini عن معنى الكلمة ومدلولها من المنظور العمراني فأجابني:
"يُقصد به التطوير والتحسين المستمر للمجتمعات أو البيئة العمرانية، فالارتقاء الحضاري لا يعني بالضرورة البهرجة أو المظاهر الحديثة، بل التطور الواعي الذي يُصلح الواقع ويخدم الإنسان ويعزز جودة حياته مع الحفاظ على الهوية والأصول."

وأصدقكم القول إن ما قاله "صديقي" هو جوهر ليس فقط ما أؤمن به بل هو ما كنتُ أبحث عنه في الأفكار التي قُدمت للمسابقة، ولم أجده إلا عند القلة من المشاركين الذين اطلعتُ على تصاميمهم بعناية.

دعونا نتفكر سوياً في هذه الكلمات ذات الدلالة القوية، والتي أتأمل أنها تشكل ميثاق عمل لأي مشروع عام يخدم الجمهور:
إصلاح الواقع ... خدمة الإنسان ... تعزيز جودة الحياة ... الحفاظ على الهوية.

أولا- إصلاح الواقع
إصلاح الواقع يتطلب منا - كمعماريين وعمرانيين - أن ندرس الواقع جيداً، وأن نفهمه ونحلله كي نتمكن من إصلاحه. فأنا ممن يؤمنون تماماً بأن ما نراه أمام أعيننا هو مجرد قشرة تخفي ورائها طبقات وتراكمات من الحقائق التي تحتاج إلى دراسة عميقة.

ولذلك دعوني أذكركم ببعض ملامح الواقع الذي تعيشه القاهرة، والذي يفرض تحديات هائلة على المشروعات التي ترفع شعار "الارتقاء العمراني":

نظرة صانع القرار للإتاحة
لدينا إشكالية في نظرة صانع القرار إلى مشروعات النفع العام وإتاحتها بالمجان للجمهور، ولعل مشروع "ممشى أهل مصر" خير مثال على ذلك، وبالتأكيد لا نتمنى أن نجد أنفسنا أمام مشروع "ممشى أهل مصر الجديدة"، حيث يحاط بالأسوار والبوابات وتوضع له "تذاكر" دخول مرهقة، ويتحول من "الأنسنة" إلى "الخصخصة"، ولهذا يكون من الذكاء وحسن الفطنة أن نؤصل للتوازن بين العائد الاقتصادي والنفع العام كي لا يطغى طرف على الآخر، ونقدم لصانع القرار ما يحقق نظرته الاستراتيجية ويمنح المجتمع في ذات الوقت حقه المشروع بالاستمتاع في فراغ عمراني مميز.

غياب الإدارة والصيانة
يجب أن نعترف بأن مشروعاتنا تفشل كثيراً بسبب غياب "الإدارة" الواعية بطرق التشغيل المضبوطة، وغياب مفهوم "الصيانة"؛ إذ نجد أن كثيراً من المشروعات العامة لا تمتد إليها يد الصيانة لسنين طويلة، ولهذا فمن غير المنطقي أن نضع في تصاميمنا حلولاً تتطلب مستويات صيانة وتجديد لا يوفرها الواقع؛ إما لارتفاع تكاليفها أو لتعقيدها، فلا يخفى علينا مثلاً ما تؤول إليه النوافير العامة، ولا حال شوارعنا ونفق العروبة تحديداً حينما يغرق في مياه الأمطار لعدم كفاءة منظومة النزح!، ولا يخفى علينا ما يحدث لأعمدة الإنارة أو للجلسات الخشبية التي توضع في الحدائق "الغير مجانية"، فإن تغافلنا عن ذلك نكون كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال، ولن نقدم حلولاً واقعية قابلة للتنفيذ.

المدى الزمني للتصمي
قد يسألني أحدهم: "ولكنك بهذا الشكل تحرمنا من تفاصيل تصميمية نراها جميلة وتحد من إبداعنا؟" فأقول له: يا عزيزي، لماذا تتصور أنك وحدك من يملك حق وضع تصور لتطوير هذا الفراغ لمئة سنة قادمة؟ ألا يكفيك أن تضع تصوراً يرتقي بالفراغ لربع قرن فقط، ثم تتغير الظروف ويأتي من بعدك من يبني على تطويرك لربع قرن آخر؟ وهكذا يكون الارتقاء تدريجيا وحقيقياً ويواكب تطور الذوق العام وثقافة المجتمع ونظرته لمفهوم "الفراغ العام" والحفاظ عليه.

سلوكيات المجتمع والملكيات
نحن نصمم للإنسان المصري بكافة شرائحه أليس كذلك؟، ولن نستورد سكاناً من دول أخرى لنضع صورهم في مناظير التصميم "الرندر" ، ونتخيل أننا نوفر لهم خدمات تناسب سلوكيات غير واقعية، وليس خافياً علينا كيف يتعامل قطاع عريض من المجتمع بصورة سلبية مع الفراغات العامة؛ لكن هل الحل أن "نستورد" جمهوراً؟ أم نحلل الإشكالية ونقف على أسبابها؟
لقد تحدث أستاذنا الدكتور جميل أكبر عن هذا الموضوع وفسره من منظور ثنائية "الملكية والتحكم"؛ فالناس في مجتمعنا لا يمتلكون الاثنين، وليس لديهم الشعور الكافي بأن ما يجدونه في الفراغ العام هو ملك لهم يستطيعون التأثير في القرارات المرتبطة به. ولذلك، إن لم نقدم مع تصاميمنا العمرانية خطة واضحة لإشراك المجتمع بصورة حقيقية ومدروسة تعالج فقدان هذه الثنائية، نكون قد حكمنا على مشروعاتنا بالفشل الذريع.

ثانياً - خدمة الإنسان
خدمة الإنسان تتطلب رفعاً اجتماعياً وثقافياً يوازي الرفع المعماري والمساحي لواجهات المباني على شارع الأهرام والذي امتلئت به لوحات المتسابقين، فنحن نحتاج أن نفهم الناس حقاً دون أي نظرة فوقية، ودون إسقاط شرائح مجتمعية متخيلة لا وجود لها في الموقع. يجب أن يكون هدفنا هو التعرف على سلوكياتهم الحقيقية وأنشطتهم وتفسيرها تفاسير صادقة، وتحديد احتياجاتهم الفعلية؛ فالخدمة في الفراغ العام حق للجميع بلا إقصاء.

ولذلك، لم أرَ هذا الرفع "الاجتماعي الثقافي" في كثير من التصاميم المقدمة سوى في المشروع الفائز بالجائزة الثانية، والذي أظهر فريقه اقتراباً شديداً ليس فقط من الناس - مرتادي المكان- بل أيضاً من الكائنات الحيّة المحيطة بهم، وعبروا عن ذلك في الفقرة التي نشرةها عن مشروعهم ويقولون فيها:
"فكرنا في اللي بيحب يقعد ياكل أو يشرب حاجة تيك أواي، فعملنا البنش المتعدد الاستخدام.
فكرنا في ضرورة مساعدة المشردين في الشارع وإيداعهم في دور المسنين، حفاظًا على كرامتهم من الشارع.
فكرنا في ألعاب منتسوري للأطفال، مجانية في حديقة الأهرام، لتقوية عضلاتهم وتعزيز مهاراتهم الاجتماعية.
فكرنا فى ذوى الهمم ومستخدمى الكراسى المتحركة.
فكرنا فى السيدات الشابات والكبار فى السن.
فكرنا في البنات اللي بتحب تشتري الورد وتتصور في الكوربة.
فكرنا في الباعة الجائلين والمفترشين، وإنه زي ما هو شيء مزعج، هو برضه ممكن يكون الدخل الوحيد لأسرهم.. ففكرنا في آليات لتقنين وجودهم في أماكن وأوقات معينة، بتراخيص من الحي، وحتى في نوع بضائعهم.
فكرنا في ضرورة استكمال تطعيم الكلاب الضالة في الشارع."

ثالثاً - تعزيز جودة الحياة
جودة الحياة تبدأ من توفير الاحتياجات الأساسية: الراحة، الأمان، والمتعة، بعيداً عن البهرجة الزائدة. ولنأخذ "الراحة الحرارية" كمثال واقعي: المعماري يضع أشجار البوينسيانا والجاكرندا وتبدو زاهية وملونة ورائعة في المناظير "الجميلة" التي تزين لوحات التصاميم وملفات الفيديو المرفقة، ثم يقدم دراسات أنيقة تعد بتأثير تلك الأشجار الجميلة على درجات تبريد الهواء وترطيبه، وهو قد لا يعلم أو لا يخبرنا أن هذه الأشجار تحتاج من سبع إلى عشر سنوات كي تمنح الناس ظلاً فعلياً ينتج عنه التبريد المنشود!

وهنا يبرز السؤال الذي لم أجد إجابةً عنه فيما فحصتُ من المشروعات المقدمة: كيف سيوفر المشروع الراحة الحرارية للمشاة خلال السنوات الأولى لنمو شتلات الأشجار المزروعة في مناخنا الشمسي؟

فجودة الحياة تعني حلولاً بيئية مناخية تعمل فور افتتاح المشروع، لا بعد عشر سنوات!

رابعا - الحفاظ على الهوية
الهوية ليست مجرد مفردات بصرية أو مفاهيم شكليّة تُستنسخ وتُلصق على الواجهات؛ الهوية الحقيقية - بالإضافة إلى المفردات البصرية - هي أنساق فراغية عمرانية ومعمارية تحتضن السلوك الإجتماعي وتنتمي للمكان. الهوية هي التجمع العفوي للشباب، هي توفير مساحات آمنة وبسيطة لتناول الطعام كمتعة متبقية "للغالبية" ومتاحة للناس، هي احترام نمط "التسوق من الرصيف" لأن هناك فئات لا تستطيع الشراء من المحال التجارية المكلفة....وهكذا.

الحفاظ على الهوية يعني احتواء هذه الأنماط وتهذيبها عمرانياً بصورة واقعية وعملية تحول دون تجريمها أو محوها في حال تم تنفيذ المشروع. فكلما كانت الحلول بسيطة وفي متناول اليد، ومستويات الصيانة والإدارة مقدورة، وتستخدم خامات محلية وتلبي الاحتياج الفعلي دون وصاية من تصور فوقي مسبق، كان النجاح والاستمرارية حليفيها.

اللقطة أم الأثر؟
يضعنا كل ما سبق أمام سؤال جوهري وافتح الإجابة عليه لكم جميعاً للنناقشه بصورة مهنية احترافية:
هل دخول المسابقات المعمارية يهدف إلى طرح أفكار "فانتازيا" يفوز أصحابها ببراعتهم في "الإبهار" الذي بات الذكاء الاصطناعي يوفره اليوم بضغطة زر وبجودة غير مسبوقة؟ أم أن الهدف هو الوصول إلى أفكار مبتكرة تعترك مع الواقع، وتعي محدداته، ثم تقدم حلولاً مبدعة قابلة للتطبيق؟

"بالبلدي كده" .. لو أردتُ قيادة فريق عمل في مسابقة عمرانية، فهل أضع استراتيجيتي على أن "نفوز بالمسابقة ونحوز اللقطة"؟ أم نُصمم مشروعاً حقيقياً يلتزم بالمعايير والضوابط، ويقدم فكراً مهنياً محترفاً يمكن زراعته في أرض الواقع فوراً؟

الصورة المرفقة هي لمنظور قدمه المشروع الفائز بالمركز الثاني، والذي أرى بعد دراسته أنه أقرب الحلول التصميمية للنقاط التي طرحتها في المقال (فيما فحصته من التصاميم المقدمة) والتي تعبر عن وجهة نظري الشخصية التي قد يتفق معي أو يختلف حولها الزملاء الأفاضل، وهذا الرأي لا أدلي به فقط من المنظور المهني وحسب بل أيضا أستفيد بحقي كمواطن مصري يعلن عن رأيه فيما يخص الفراغ العام، وبالطبع هذا لا يعني خلو هذا المقترح من مشكلات تحتاج للتطوير والتصحيح والمراجعة.

بكل تأكيد هذا لا ينتقص من قيمة المشروع الفائز بالجائزة الأولى، ولا ينتقص من قرار لجنة التحكيم الموقرة التي لها منا كل الاحترام والتقدير.
محمد الرافعي
14 سبتمبر 2026