Sunday, February 1, 2026

أين الناس في هذا المخطط

 

مما شك فيه أن التحليل يحوي المختصر المفيد عن المشروع، ولكن السؤال النهائي لا يستقيم مع مشروع قام في أساسه على إهمال البشر والحجر والتاريخ، وتعامل مع الواقع بمبدأ الأرض المحروقة، فضلاً عن أن القيمة الاقتصادية ليست الناس كمدخلات انتاج وخدمة، بل زواراً وسياح وعمالة مؤقتة، لا يرتبطون بالأرض .. هو مشروع استثماري، وبالقطع ليس حضري أو حضاري

 نظرة فنية على مخطط ترامب لإعادة إعمار غزة

أولًا: أهم معالم المخطط العمراني:
لو قرأنا المخطط العمراني المقترح لغزة كرؤية مكانية لا سياسية فالصورة العامة هي:

1. نموذج مدينة “جديدة”
المخطط يطرح رؤية لإعادة بناء غزة كـمدينة جديدة بالكامل تقريبًا، لا كمدينة تُرمَّم. وهذا طرح أقرب ما يكون إلى Tabula Rasa Planning
أي: مسح شبه كامل للواقع القائم وإعادة التخطيط من الصفر كما لو كانت الأرض بيضاء خالية من أي إنشاء سابق أو مجتمع قائم.

 هذا النوع من التخطيط شائع ومقبول في:
- المدن الجديدة، المناطق الصناعية، مشاريع الاستثمار العقاري الكبرى.
لكنه خطير في مدن مأهولة بمجتمع وتاريخ وهوية.

2. هيكل حضري وظيفي لا اجتماعي
يظهر المخطط المعروض ملامح رئيسية:
- تقسيمات واضحة: سكن، أعمال، سياحة، بنية تحتية
- واجهة بحرية مُوجهه للإستثمار السياحي
- مبانٍ عالية الكثافة، حديثة الطابع
- شبكات طرق وبنية تحتية شبكية ومنظمة

وهذا يعكس Planning by Zoning وليس Planning by People والذي ينشأ عنه عدد من المخاطر:
- إختفاء كامل للأحياء القديمة القائمة بدلا عن إعادة تعميرها
- إختفاء النسيج العمراني التقليدي المتدرج
- إختفاء البنية الإجتماعية- العمرانية: علاقة البيت، الشارع، السوق، المسجد، المدرسة.

3. غياب مفهوم “الحي”
في أي مخطط لمدينة مأهولة، نتوقع ظهور الوحدة الأساسية وهي الأحياء السكنية Neighborhood Units بكل مكوناتها:
مراكز أحياء - فراغات عامة قريبة - وحدات اقتصادية محلية صغيرة.

 أما في الطرح المعروض فالمدينة تُعامل كـ “مشروع استثماري كبير” لا كشبكة أحياء بشرية حيّة، وبالتالي تقوم على توفير بنية وظيفية تدعم علاقات عابره وليس تأسيس البنية الإجتماعية لمجتمع يعيش هناك منذ قرون.

4. فصل اقتصاد المدينة عن سكانها:
فالوظائف المقترحة في هيكل الأنشطة في المخطط الجديد هي: سياحة، خدمات، تكنولوجيا، لوجستيات.
ولكن دون:
- ربط واضح بالاقتصاد المحلي الحالي
- إدماج مهني تدريجي للسكان
- حماية الاقتصاد غير الرسمي::الأسواق الشعبية، الحِرف اليدوية، الصيد… إلخ.

وهذا يمثل خطر تخطيطي معروف: مدينة تعمل وتكسب لكن ليس لأهلها.

5. تخطيط بلا ذاكرة:
أهم ما يغيب عن المخطط المطروح:
- الإرث العمراني لغزة
- علاقتها بالبحر كعيش وحياة دائمة لا كمنتجع للإقامة المؤقتة
- أنماط السكن الممتدة والعائلية المميزة للتكوين الاجتماعي لسكان المدينة

ثانيًا: التقييم من منظور العمران الإجتماعي:
يحوي المخطط بعض الملامح الايجابية من وجهة نظر المدينة كنظام:
- التفكير في البنية التحتية الشاملة
- معالجة التكدس
- استثمار الواجهة البحرية
- محاولة خلق اقتصاد مستدام طويل الأمد
وهذه عناصر أي مخطط حديث يراعي البعد التقني الفني.

ولكن هناك العديد مما يجعله مخططًا ضعيفًا حضريًا من وجهة النظر الإنسانية:
- غياب الإنسان كمحرّك للتخطيط ومركز له Human- centeric Planning
- التجاهل التام للواقع القائم.
- تحويل إعادة الإعمار إلى استبدال.
- فصل التخطيط عن العدالة المكانية.
- غياب مشاركة المجتمع الغزاوي بشكل كامل عن عملية التخطيط كلها في وقت يشترط في جميع سياسات اعادة الإعمار أن تكون عملية تشاركية مجتمعية بالمقام الأول.

 الخلاصة:
هذا ليس مخطط مدينة مأهولة ذات تاريخ طويل، بل مخطط مشروع استثماري عقاري على أرض مدينة وبحرها: جذاب بصريًا، مرتب هندسيًا، لكنه ضعيف اجتماعيًا، وخطير على الهوية الحضرية.

ولو أنه قُدّم أو نوقش أمام لجنة تخطيط حضري محترفة، فسيُسأل سؤال واحد:
“أين الناس في هذا المخطط



No comments:

Post a Comment