التسويق في زمن الحرب:
ليه مدير التسويقي المتخصص المحترف النهارده ممكن يكون هو أهمّ شخص علي طرابيزة صناع القرار اليوم؟
يوم ٢٨ فبراير الماضي كان بداية مرحلة جديدة في السوق في المنطقة بالكامل ممكن نعتبرها (ولو مؤقتاً) الـNew Normal…!
أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليتهما العسكرية المشتركة “الغضب الملحمي” ضد إيران. في أقل من ١٠ أيام، تخطّى سعر برميل النفط حاجز المئة دولار، وأوقفت شركة ميرسك عبور سفنها بقناة السويس، وخسر الجنيه المصري في ساعات حوالي ٨-٩٪ من قيمته مقابل الدولار.
الرئيس السيسي وقف وقال صراحة: “نحن في شبه حالة طوارئ اقتصادية.”
السؤال اللي يجب أن يسأله كل مدير تسويقي الآن هو:
وأنا مالي أنا بكل ده؟ التسويق ده كله شغل دعاية وإعلانات وميزانيات بنصرفها وبس ؟!!
الإجابة ببساطة: ده مالك ومالك ونص لان دورك داخل الشركة فيه كل كبيرة وصغيرة …!
التسويق مش مجرد صوت للبراند…! ده المرايا اللي بتعكس كل ما يجري في السوق الي داخل الشركة، والدفة اللي بتحرك الشركة كلها في السوق مع تقلباته ومتغيراته علشان العلاقة التبادلية مع الشرائح المستهدفة تبقي ناجحة ومستدامة وفي نمو مستمر…!
التسويق مش بس كلام ترويجي (محتوي) وإعلانات…! ده كان زمان …! وزمان قوي كمان
لحسن الحظ، بدأ كثير من المديرين التنفيذيين في العالم يدركون هذه الحقيقة منذ زمن.
تلاقي مثلاً جيف بيزوس، مؤسس أمازون، بيقول في رسالته السنوية للمساهمين: “عندنا في أمازون ثلاث أفكار كبيرة ثابتة منذ ثمانية عشر عاماً وهي السبب في نجاحنا: العميل أولاً، وابتكر باستمرار، وخليك صبور” — ده مش كلام واحد بتاع ترويج بالمحتوي أو أعلانات ممولة في اجتماع بيتكلم فيه عن الـReach والـVirility، لا دي فلسفة عمل كاملة مبنية على مبادئ تسويقية علمية وعملية وحقيقية.
كمان تلاقي واحد زي إيلون ماسك، مؤسس تيسلا وسبيس إكس، وأنتي رجل في العالم النهارده (مع كل التحفظ علي سلوكياته) عبّر عن الفكرة بشكل أبسط وقال: “البراند هو الانطباع العام، وبمرور الوقت سيتطابق هذا الإنطباع مع الحقيقة.” — وده بيعكس رؤية بخصوص طبيعة القرار التسويقي ودوره في محاكاة الواقع، مش بيع الوهم وبس.
التسويق بمفهومه الصحيح الحديث هو الشريان الذي يضخ الدماء في جسم الشركة.
هو اللي يقرر نبيع إيه وليه، ولمن، وبكام، وإزاي نوصله للمستفيد والمستهدف.
وإذا كان السوق في حالة تغير مستمر بسبب الأحداث وبالتالي تفضيلات المستهلكين والعملاء تلاقي أيضاً التطبيقات بتاعة التسويق حولين بعض الثوابت كمان متغيرة ومتجددة من طلاق نفسها
أما الإعلان والدعاية بكل اشكالها (Content - سوشيال ميديا - إنفلونسرز - SEM…إلخ) مجرد أداة واحدة في درج صغير مليئ بالأدوات الآخري اسمه درج الترويج ضمن خزينة كبيرة مليانا أدوات كثيرة، وكل من يظن أن التسويق “شغل حملات ممولة وبوستات وكلام جميل” فاهم الأمر غلط وفي قصور كبير ممكن يكلّف شركته الملايين بدون داعي.
ما يحدث في المنطقة اليوم هو اختبار عملي حيّ لكل قرار تسويقي استراتيچي، وبيمس أربعة محاور مهمة تخص مدير التسويق المحترف في إعتقادي
المحور الأول هو مراجعة وتطوير القيمة المقدمة أو الـValue Proposition
المستهلك النهارده بيعيش مرحلة من الضغوط النفسية والاقتصادية الحادة، والتمسك بفلسفة ببيع ما تم إنتاجه أو اللي بيتم عمله اصبح تواجه غير مجدي وان كان خطء من البداية لكنه كان ممكن يحقق بعض النتائج من قبل لكن مع تطورات الوضع وزيادة الضغوط النموذج ده في العمل اللي بيعتمد علي التشغيل الكفء — الترويج الكثيف — البيع لمن يقدر مع ارتفاع أسعار الوقود والغذاء وانخفاض قيمة الجنيه يعني أن القيمة التي كنت تقدمه الشهر الماضي وتحقق قدر من الرضاء ربما لم تعد كافية اليوم.
هوارد شولتز، الرئيس التنفيذي لستاربكس، قال: “البراند الذي يصمد ويعمر هو البراند الذي يتمتع بالأصالة، وتستمد قوتها من القيم التي تشاركها مع الناس في السوق، ليس من مجرد حملات الدعاية والإعلان” — وأفتكر إن دي من الشركات اللي بدات صغيرة جداً ومن سياساتها عدم الإنفاق علي الدعاية والإعلان إلا في أضيق الحدود (لم تتجاوز ٢٪ خلال العامين الماضيين وكانت تقريباً صفرية قبل كده)، وده يعني أن القيمة الحقيقة ليست في الإعلان، ولكنها في تجربة العميل ورضائه.
المدير التسويقي الشاطر اللي فاهم لازم يعيد التفكير في سؤال واحد محوري: ما الذي يحتاجه عميلي فعلاً في ظل هذه الضغوط؟ وهل ما أقدمه يلبّي هذه الحاجة حقاً؟
المحور الثاني هو استراتيجية التسعير
أحد أكبر قيادات الإستثمار وإدارة الأصول، وارن بافيت قال بما لا يحتمل التأويل: “السعر هو ما تدفعه، والقيمة هي ما تحصده” — وفي أوقات الأزمات، المسافة بين السعر والقيمة المدركة عند العميل تكون هي الفيصل بين الاستمرار والاستدامة في السوق وتخطي الأزمة أو الانهيار والخروج من السوق تماماً. ومع ارتفاع أسعار الوقود بنسبة كبيرة إذا استمر الصراع، وارتفاع أسعار الأسمدة وبالتالي الغذاء، كل شركة في السوق أمامها قرار تسعيري وجودي - هل ترفع أسعارها وتخاطر بخسارة عملائها وانخفاض مبيعاتها؟ هل تمتص تغط إرتفاع التكلفة وتقلص هامش الربحية؟ أم تعيد هيكلة القيمة المقدمة اللي هي الـValue Proposition بطريقة تحافظ بها علي حجم الأعمال والروابط التي تحافظ علي العميل من جهة وتدير تكاليفها بذكاء من جهة آخري؟
ده مش سؤال موجه لصديقي المحاسب، ده في صميم عمل مدير التسويق.
أما المحور الثالث هو التوزيع وإدارة قنوات البيع
قناة السويس مغلقة جزئياً أمام كبرى شركات الشحن.
تكاليف الشحن في ارتفاع بنسبة تتراوح بين ١٥٪ - ٢٠٪.
التأمين البحري يتصاعد بشكل حاد.
أي شركة تصدّر أو تستورد لازم تعيد تقييم شبكة التوزيع بتاعتها بالكامل.
جاك ما، مؤسس علي بابا، قال: “لا تهتم الي هذا الحد بمنافسيك لكن ركّز مجهودة على عملاءك” ففي النهاية الإهتمام بالعملاء يمنع المنافسين من الحصول ما يريدون —
ومعنى ده ان في لحظة زي دي شبكة التوزيع المثلى هي التي تصل للعميل في الوقت المناسب، بأقل تكلفة ممكنة، حتى لو احتاج الأمر إعادة رسم كل خطوط التوريد والتوزيع من الأساس لتقليص وتقصير مراحل التوزيع أو الـ Short Channel الي الـZero-Level (DTC).
وأخيراً المحور الرابع هو التنافسية وتوجيه العمل
تيم كوك، الرئيس التنفيذي لآبل، لخّص الفكرة بدقة بالغة: “ممكن تعمل حاجات معينة وتتميز فيها، لكن لازم كمان تعرف ازاي تتخلي عن كل حاجة تانية” —
وده بالضبط ما يتطلبه الوضع الحالي…!
فن وحكمة الأختيار و المفاضلة
كلمة السر في ظل الأزمات الحالية هي التركيز الاستراتيجي على الأسواق والمنتجات والقنوات الأعلى قيمة، والتخلص من أي نفقات أو مجهود دون جدوة.
المدير التسويقي المحترف اليوم مش المفروض يكون مشغول بتصميم إعلان أو بركوب ترند أو تقديم المحتوي.
المفروض يكون جالساً في غرفة اتخاذ القرار بيسأل…
ما هي التغيرات التي طرأت علي متطلبات ورغبات العملاء في السوق بعد التطورات الآخيرة؟
ما هي القطاعات السوقية التي ستنمو في ظل الأوضاع الحالية؟
ما الأسواق البديلة التي يجب أن نستهدفها إذا تعطلت أسواقنا التقليدية؟
كيف نعيد أو نراجع الـ Brand Positioning بتاعنا ونحن في قلب عاصفة جيوسياسية لها أثار إقتصادية؟
التسويق هو علم متشابك مع علوم آخري زي الاقتصاد الكلي، والجيوسياسة، وعلم النفس السلوكي، والخدمات اللوجستية، والتمويل، وإدارة المخاطر.
مدير التسويقي اللي مش فاهم كيف يؤثر ارتفاع سعر النفط على هيكل تسعيره، أو كيف تؤثر تقلبات سعر الصرف على القدرة الشرائية لعملائه، أو كيف تؤثر إعادة توجيه السفن على كفاءة قنوات التوزيعية، هذا المدير لا يؤدي وظيفته على أكمل وجه أو قد يكون لا يعمل في المكان الي ممكن يستفيد من دوره الحقيقي.
كريستين كراندال، الخبيرة التسويقية قالت: “الرؤساء التنفيذيون الذين يقيموا نظام العمل في شركاتهم حول تجربة المشتري يتفوقون على منافسيهم. ويبدأ ذلك بمحاذاة التسويق مع باقي وظائف الشركة” — الكلام ده مش رفاهية فكرية، ده مطلب بقاء في السوق.
التسويق في الأزمات هو البوصلة
ما يحدث في المنطقة اليوم من صراع أمريكي إسرائيلي إيراني هو تذكير قاسٍ بأن بيئة الأعمال لا تعمل في معزل عن العالم. مصر في قلب هذه العاصفة: قناة السويس مهددة، إمدادات الطاقة تعطلت في مضيق هرمز، السياحة تحت ضغط، والجنيه في مواجهة صعبة.
في هذا الواقع، الشركة التي تُمكّن مديرها التسويقي وتضعه في غرفة القرار هي الشركة التي ستنجو وتنمو وتخرج أقوى من الأزمة.
أما التي تعتبر التسويق مجرد أحد البنود في ميزانية الإعلانات — فتلك هي التي ستدفع الثمن مرتين.
التسويق في زمن الحرب ليس رفاهية… بل هو البوصلة 
وفي العاصفة فاقد البوصلة لن يصل 
المشكلة إن في مسؤلين كتير فاكرين انه مجرد ميكروفون 

No comments:
Post a Comment