في الوقت الذي تقدم مزارع الطاقة الشمسية بوصفها أحد أعمدة التحول الأخضر ومخرجاً أساسياً من أزمة المناخ، إلا أنها تخفي مفارقة مقلقة آخذة في الظهور داخل المدن الكبرى.
تشير دراسة حديثة أعدها باحثون من جامعة "ميرلاند" وفريق بحثي دولي من مؤسسات أوروبية، إلى أن انتشار الألواح الشمسية في البيئات الحضرية قد يساهم في تكوين ما يعرف ب"الفقاعات الحرارية"؛ وهي جيوب غير مرئية من الحرارة المحبوسة تتكون فوق المناطق المأهولة بالسكان وتحول الشوارع إلى مساحات خانقة أشبه بالأفران.
ومع تسارع التحول إلى الطاقة النظيفة، بلغ الاعتماد على الشمس درجة الحمى. لكن السؤال الذي يطرحه العلماء اليوم: ماذا تفعل هذه الفقاعات بالأسفلت والبنية التحتية أسفلها؟ ولماذا باتت شوارع المدن تستجيب لهذا العبء الحراري الجديد؟
صممت الألواح الشمسية بهدف واحد واضح، وهو التقاط طاقة الشمس وتحويلها إلى كهرباء. وغالباً ما تنصب فوق أسطح المباني أو في مساحات مفتوحة شاسعة، مثل الصحارى، حيث كان يعتقد أنها تساهم في خفض الحرارة المحيطة بها.
غير أن البيانات الحديثة قلبت هذه الفرضية رأساً على عقب. فالمدن بطبيعتها تحبس الحرارة بسبب الانتشار الكثيف للخرسانة والإسفلت، ويبدو أن الألواح الشمسية تضيف الآن طبقة إضافية من هذا الاحتباس، ما يؤدي إلى تكون "فقاعات حرارية" صغيرة ترفع درجات الحرارة محلياً، بحسب ما ذكره موقع "Eco Portal"، واطلعت عليه "العربية Business".
كيف يحدث ذلك؟
عندما تتحول الألواح إلى "إسفنج ضوئي"
لفهم الظاهرة، أجرى الباحثون دراسات معمقة لتتبع المراحل الدقيقة لامتصاص الألواح الشمسية لأشعة الشمس، وكيف تعكس جزءاً منها وتعيد إطلاق البقية في الهواء على هيئة حرارة.
الألواح الشمسية مصممة بأسطح داكنة تمتص الإشعاع بكفاءة عالية. لكن الطاقة التي لا تتحول إلى كهرباء لا تختفي، بل تطلق مجدداً كحرارة خام. في البيئات الطبيعية، كالصحارى، يساعد التوازن بين التربة والهواء على تنظيم هذه الحرارة. حتى أن بعض الدراسات أظهرت أن الظلال التي تخلقها الألواح هناك تسمح للتربة بالتنفس، نتيجة احتفاظها برطوبة أعلى من المعتاد.
لكن الصورة تختلف جذرياً داخل المدن. فبدلاً من تربة قادرة على التنظيم الحراري، نجد طبقات من الإسفلت والخرسانة مغطاة بدروع زجاجية داكنة، ليتكون ما يشبه غطاءً حرارياً يخنق الشوارع أدناه، إلى درجة تجعل الأسفلت يلين ويتمدد تحت وطأة الحرارة.
اعتمد باحثون من جامعة ماريلاند على بيانات الأقمار الصناعية لتحليل أسباب هذا التسخين الموضعي، وخلصوا إلى نتائج تدعم هذا القلق المتنامي. كما عززت دراسة منشورة في دورية "Sustainable Cities and Society"، تحت عنوان تأثير نشر الألواح الشمسية الكهروضوئية على ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية، هذه المخاوف من خلال رصد التأثير الإشعاعي للألواح داخل المدن.
مدن تتحول إلى بطاريات حرارية
لا شك أن الطاقة الشمسية حققت مكاسب ملحوظة، سواء على مستوى خفض الانبعاثات أو دعم الحياة البرية في بعض البيئات. لكن في المدن المكتظة، يطرح هذا التوسع أسئلة جديدة حول الكلفة الحرارية الخفية.
يكمن الجوهر في ما يعرف بميزان طاقة الأرض، أي كيفية دخول الطاقة الشمسية إلى النظام البيئي، وانتقالها داخله، ثم خروجها. ومع محدودية قدرة الألواح الشمسية على تحويل كل الإشعاع إلى كهرباء، يعاد ضخ الفائض إلى الغلاف الجوي كحرارة، ما يخلق تأثيراً ارتدادياً داخل البيئات الحضرية الكثيفة.
هكذا تتحول المدينة إلى بطارية حرارية لا تفرغ حمولتها بالكامل، فتتحول أيام الصيف الاعتيادية إلى حالات حمى موضعية، تتفاقم فيها ظاهرة الجزر الحرارية ويضعف نظام التبريد الطبيعي للكوكب.
بين التحذير والأمل
رغم هذه التحديات، لا يعني الأمر أن الطاقة الشمسية فقدت بريقها. فهي لا تزال أداة حاسمة لتفادي كارثة مناخية عالمية. غير أن ظهور "الفقاعات الحرارية" يسلط الضوء على حاجة ملحة لإعادة التفكير في تصميم الألواح الشمسية وتخطيطها الحضري.
بدأت عدة دول بالفعل العمل على تطوير أجيال جديدة من الألواح، أكثر كفاءة وأقل إسهاماً في الاحتباس الحراري المحلي. ومع تسابق العالم لإعادة هندسة علاقتنا مع الشمس، يبدو أن النجاح لن يقاس فقط بكمية الطاقة النظيفة المنتجة، بل أيضاً بقدرتنا على منع ذوبان الأرض تحت أقدام مدننا


No comments:
Post a Comment