Tuesday, September 15, 2026

رؤية للارتقاء بالفراغ العام

Suggested for you a day ago 
البازيليكا والإرتقاء؟
تابعتُ - كغيري من زملاء المهنة - مسابقة التصميم العمراني لميدان البازيليكا وشارع الأهرام بمصر الجديدة، وتوقفتُ ملياً عند تعبير "رؤية للارتقاء بالفراغ العام"، وبدأتُ أفكر: ما المقصود حقاً بكلمة "ارتقاء"؟

سألتُ صديقي Gemini عن معنى الكلمة ومدلولها من المنظور العمراني فأجابني:
"يُقصد به التطوير والتحسين المستمر للمجتمعات أو البيئة العمرانية، فالارتقاء الحضاري لا يعني بالضرورة البهرجة أو المظاهر الحديثة، بل التطور الواعي الذي يُصلح الواقع ويخدم الإنسان ويعزز جودة حياته مع الحفاظ على الهوية والأصول."

وأصدقكم القول إن ما قاله "صديقي" هو جوهر ليس فقط ما أؤمن به بل هو ما كنتُ أبحث عنه في الأفكار التي قُدمت للمسابقة، ولم أجده إلا عند القلة من المشاركين الذين اطلعتُ على تصاميمهم بعناية.

دعونا نتفكر سوياً في هذه الكلمات ذات الدلالة القوية، والتي أتأمل أنها تشكل ميثاق عمل لأي مشروع عام يخدم الجمهور:
إصلاح الواقع ... خدمة الإنسان ... تعزيز جودة الحياة ... الحفاظ على الهوية.

أولا- إصلاح الواقع
إصلاح الواقع يتطلب منا - كمعماريين وعمرانيين - أن ندرس الواقع جيداً، وأن نفهمه ونحلله كي نتمكن من إصلاحه. فأنا ممن يؤمنون تماماً بأن ما نراه أمام أعيننا هو مجرد قشرة تخفي ورائها طبقات وتراكمات من الحقائق التي تحتاج إلى دراسة عميقة.

ولذلك دعوني أذكركم ببعض ملامح الواقع الذي تعيشه القاهرة، والذي يفرض تحديات هائلة على المشروعات التي ترفع شعار "الارتقاء العمراني":

نظرة صانع القرار للإتاحة
لدينا إشكالية في نظرة صانع القرار إلى مشروعات النفع العام وإتاحتها بالمجان للجمهور، ولعل مشروع "ممشى أهل مصر" خير مثال على ذلك، وبالتأكيد لا نتمنى أن نجد أنفسنا أمام مشروع "ممشى أهل مصر الجديدة"، حيث يحاط بالأسوار والبوابات وتوضع له "تذاكر" دخول مرهقة، ويتحول من "الأنسنة" إلى "الخصخصة"، ولهذا يكون من الذكاء وحسن الفطنة أن نؤصل للتوازن بين العائد الاقتصادي والنفع العام كي لا يطغى طرف على الآخر، ونقدم لصانع القرار ما يحقق نظرته الاستراتيجية ويمنح المجتمع في ذات الوقت حقه المشروع بالاستمتاع في فراغ عمراني مميز.

غياب الإدارة والصيانة
يجب أن نعترف بأن مشروعاتنا تفشل كثيراً بسبب غياب "الإدارة" الواعية بطرق التشغيل المضبوطة، وغياب مفهوم "الصيانة"؛ إذ نجد أن كثيراً من المشروعات العامة لا تمتد إليها يد الصيانة لسنين طويلة، ولهذا فمن غير المنطقي أن نضع في تصاميمنا حلولاً تتطلب مستويات صيانة وتجديد لا يوفرها الواقع؛ إما لارتفاع تكاليفها أو لتعقيدها، فلا يخفى علينا مثلاً ما تؤول إليه النوافير العامة، ولا حال شوارعنا ونفق العروبة تحديداً حينما يغرق في مياه الأمطار لعدم كفاءة منظومة النزح!، ولا يخفى علينا ما يحدث لأعمدة الإنارة أو للجلسات الخشبية التي توضع في الحدائق "الغير مجانية"، فإن تغافلنا عن ذلك نكون كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال، ولن نقدم حلولاً واقعية قابلة للتنفيذ.

المدى الزمني للتصمي
قد يسألني أحدهم: "ولكنك بهذا الشكل تحرمنا من تفاصيل تصميمية نراها جميلة وتحد من إبداعنا؟" فأقول له: يا عزيزي، لماذا تتصور أنك وحدك من يملك حق وضع تصور لتطوير هذا الفراغ لمئة سنة قادمة؟ ألا يكفيك أن تضع تصوراً يرتقي بالفراغ لربع قرن فقط، ثم تتغير الظروف ويأتي من بعدك من يبني على تطويرك لربع قرن آخر؟ وهكذا يكون الارتقاء تدريجيا وحقيقياً ويواكب تطور الذوق العام وثقافة المجتمع ونظرته لمفهوم "الفراغ العام" والحفاظ عليه.

سلوكيات المجتمع والملكيات
نحن نصمم للإنسان المصري بكافة شرائحه أليس كذلك؟، ولن نستورد سكاناً من دول أخرى لنضع صورهم في مناظير التصميم "الرندر" ، ونتخيل أننا نوفر لهم خدمات تناسب سلوكيات غير واقعية، وليس خافياً علينا كيف يتعامل قطاع عريض من المجتمع بصورة سلبية مع الفراغات العامة؛ لكن هل الحل أن "نستورد" جمهوراً؟ أم نحلل الإشكالية ونقف على أسبابها؟
لقد تحدث أستاذنا الدكتور جميل أكبر عن هذا الموضوع وفسره من منظور ثنائية "الملكية والتحكم"؛ فالناس في مجتمعنا لا يمتلكون الاثنين، وليس لديهم الشعور الكافي بأن ما يجدونه في الفراغ العام هو ملك لهم يستطيعون التأثير في القرارات المرتبطة به. ولذلك، إن لم نقدم مع تصاميمنا العمرانية خطة واضحة لإشراك المجتمع بصورة حقيقية ومدروسة تعالج فقدان هذه الثنائية، نكون قد حكمنا على مشروعاتنا بالفشل الذريع.

ثانياً - خدمة الإنسان
خدمة الإنسان تتطلب رفعاً اجتماعياً وثقافياً يوازي الرفع المعماري والمساحي لواجهات المباني على شارع الأهرام والذي امتلئت به لوحات المتسابقين، فنحن نحتاج أن نفهم الناس حقاً دون أي نظرة فوقية، ودون إسقاط شرائح مجتمعية متخيلة لا وجود لها في الموقع. يجب أن يكون هدفنا هو التعرف على سلوكياتهم الحقيقية وأنشطتهم وتفسيرها تفاسير صادقة، وتحديد احتياجاتهم الفعلية؛ فالخدمة في الفراغ العام حق للجميع بلا إقصاء.

ولذلك، لم أرَ هذا الرفع "الاجتماعي الثقافي" في كثير من التصاميم المقدمة سوى في المشروع الفائز بالجائزة الثانية، والذي أظهر فريقه اقتراباً شديداً ليس فقط من الناس - مرتادي المكان- بل أيضاً من الكائنات الحيّة المحيطة بهم، وعبروا عن ذلك في الفقرة التي نشرةها عن مشروعهم ويقولون فيها:
"فكرنا في اللي بيحب يقعد ياكل أو يشرب حاجة تيك أواي، فعملنا البنش المتعدد الاستخدام.
فكرنا في ضرورة مساعدة المشردين في الشارع وإيداعهم في دور المسنين، حفاظًا على كرامتهم من الشارع.
فكرنا في ألعاب منتسوري للأطفال، مجانية في حديقة الأهرام، لتقوية عضلاتهم وتعزيز مهاراتهم الاجتماعية.
فكرنا فى ذوى الهمم ومستخدمى الكراسى المتحركة.
فكرنا فى السيدات الشابات والكبار فى السن.
فكرنا في البنات اللي بتحب تشتري الورد وتتصور في الكوربة.
فكرنا في الباعة الجائلين والمفترشين، وإنه زي ما هو شيء مزعج، هو برضه ممكن يكون الدخل الوحيد لأسرهم.. ففكرنا في آليات لتقنين وجودهم في أماكن وأوقات معينة، بتراخيص من الحي، وحتى في نوع بضائعهم.
فكرنا في ضرورة استكمال تطعيم الكلاب الضالة في الشارع."

ثالثاً - تعزيز جودة الحياة
جودة الحياة تبدأ من توفير الاحتياجات الأساسية: الراحة، الأمان، والمتعة، بعيداً عن البهرجة الزائدة. ولنأخذ "الراحة الحرارية" كمثال واقعي: المعماري يضع أشجار البوينسيانا والجاكرندا وتبدو زاهية وملونة ورائعة في المناظير "الجميلة" التي تزين لوحات التصاميم وملفات الفيديو المرفقة، ثم يقدم دراسات أنيقة تعد بتأثير تلك الأشجار الجميلة على درجات تبريد الهواء وترطيبه، وهو قد لا يعلم أو لا يخبرنا أن هذه الأشجار تحتاج من سبع إلى عشر سنوات كي تمنح الناس ظلاً فعلياً ينتج عنه التبريد المنشود!

وهنا يبرز السؤال الذي لم أجد إجابةً عنه فيما فحصتُ من المشروعات المقدمة: كيف سيوفر المشروع الراحة الحرارية للمشاة خلال السنوات الأولى لنمو شتلات الأشجار المزروعة في مناخنا الشمسي؟

فجودة الحياة تعني حلولاً بيئية مناخية تعمل فور افتتاح المشروع، لا بعد عشر سنوات!

رابعا - الحفاظ على الهوية
الهوية ليست مجرد مفردات بصرية أو مفاهيم شكليّة تُستنسخ وتُلصق على الواجهات؛ الهوية الحقيقية - بالإضافة إلى المفردات البصرية - هي أنساق فراغية عمرانية ومعمارية تحتضن السلوك الإجتماعي وتنتمي للمكان. الهوية هي التجمع العفوي للشباب، هي توفير مساحات آمنة وبسيطة لتناول الطعام كمتعة متبقية "للغالبية" ومتاحة للناس، هي احترام نمط "التسوق من الرصيف" لأن هناك فئات لا تستطيع الشراء من المحال التجارية المكلفة....وهكذا.

الحفاظ على الهوية يعني احتواء هذه الأنماط وتهذيبها عمرانياً بصورة واقعية وعملية تحول دون تجريمها أو محوها في حال تم تنفيذ المشروع. فكلما كانت الحلول بسيطة وفي متناول اليد، ومستويات الصيانة والإدارة مقدورة، وتستخدم خامات محلية وتلبي الاحتياج الفعلي دون وصاية من تصور فوقي مسبق، كان النجاح والاستمرارية حليفيها.

اللقطة أم الأثر؟
يضعنا كل ما سبق أمام سؤال جوهري وافتح الإجابة عليه لكم جميعاً للنناقشه بصورة مهنية احترافية:
هل دخول المسابقات المعمارية يهدف إلى طرح أفكار "فانتازيا" يفوز أصحابها ببراعتهم في "الإبهار" الذي بات الذكاء الاصطناعي يوفره اليوم بضغطة زر وبجودة غير مسبوقة؟ أم أن الهدف هو الوصول إلى أفكار مبتكرة تعترك مع الواقع، وتعي محدداته، ثم تقدم حلولاً مبدعة قابلة للتطبيق؟

"بالبلدي كده" .. لو أردتُ قيادة فريق عمل في مسابقة عمرانية، فهل أضع استراتيجيتي على أن "نفوز بالمسابقة ونحوز اللقطة"؟ أم نُصمم مشروعاً حقيقياً يلتزم بالمعايير والضوابط، ويقدم فكراً مهنياً محترفاً يمكن زراعته في أرض الواقع فوراً؟

الصورة المرفقة هي لمنظور قدمه المشروع الفائز بالمركز الثاني، والذي أرى بعد دراسته أنه أقرب الحلول التصميمية للنقاط التي طرحتها في المقال (فيما فحصته من التصاميم المقدمة) والتي تعبر عن وجهة نظري الشخصية التي قد يتفق معي أو يختلف حولها الزملاء الأفاضل، وهذا الرأي لا أدلي به فقط من المنظور المهني وحسب بل أيضا أستفيد بحقي كمواطن مصري يعلن عن رأيه فيما يخص الفراغ العام، وبالطبع هذا لا يعني خلو هذا المقترح من مشكلات تحتاج للتطوير والتصحيح والمراجعة.

بكل تأكيد هذا لا ينتقص من قيمة المشروع الفائز بالجائزة الأولى، ولا ينتقص من قرار لجنة التحكيم الموقرة التي لها منا كل الاحترام والتقدير.
محمد الرافعي
14 سبتمبر 2026

No comments:

Post a Comment