Sunday, February 16, 2025
البناء في الذاكرة.. ما بين العاطفة والعمارة
- هناء المكتوم
- 2025-01-08
كانت الحديقة الخلفية لبيت طفولتي مسرحًا لكوابيسي لفترة ليست بالقصيرة، ولا تزال تزورني في أحلامي وإن كانت بوتيرة أقل.” أخذتني هذه الجملة الاعتراضية لمحاضر معماري إلى الممر الخلفي لبيت جدي القديم، المهيمن على أحلامي المخيفة أيضًا، بجدرانه الطويلة الخالية من الإضاءات، والكيانات السوداء التي اختلقها عقلي لتلاحقني ليلًا. كانت جملته تلك مفتاحًا لعام كامل قضيته في البحث والقراءة بين تقاطعات العمارة وذاكرة المكان والمشاعر المصاحبة لهما، حيث تحول سؤال واحد إلى بوصلة تحدد وجهتي: لماذا ترسخ ذلك الممر بالذات كأكثر الأماكن المخيفة في عقلي؟ توصلت في نهاية المطاف إلى قائمة من الخصائص المعمارية التي تجعل للأماكن رواسي في ذاكرتنا عبر كم وقوة المشاعر والأحاسيس التي تستثيرها. الفروقات في العناصر المعمارية التي تفصل بين الأماكن التي نذكرها عن غيرها هي أسرار يعرفها أغلب المعماريين، وقلة منهم من يجيد فن اللعب بها لخلق تجربة مشاعرية تُذكر. في هذا المقال، سأسلط الضوء على خاصيتين، وأربطهما بمناطق مختلفة في مدينة الرياض: حي السفارات، ومركز الملك عبد الله
المالي، وسوق المعيقلية وما حوله، حيث تظهر تلك الخصائص بتجليات معمارية متنوعة خالقة مشاعر مختلفة.
فن التلاعب في النسبة والتناسب
يقصد بالنسبة والتناسب استخدام العلاقات الرياضية لتحقيق التوازن البصري والجمالي بين أجزاء التصميم نفسه أو بينه وبين محيطه ومستخدميه. على سبيل المثال، تحدد أغلب ارتفاعات النوافذ مع الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع السقف والأبواب ومستوى نزول الإضاءات، هذا كله بالإضافة إلى النسب العامة للإنسان. فُصِّل وشُرح مفهوم النسبة والتناسب في كتابات ونظريات عدة، مثل النسبة الذهبية أو مقياس لو كوربوزيه الأكثر حداثة. مع ذلك، يُطبِّقهما أغلب المعماريين في السعودية من ناحيتي الوظيفة والجماليات، لكنهم يغفلون أو يتغافلون عن التلاعب فيهما للتأثير على أحاسيس المستخدم ومشاعره، مع العلم أنهما يؤثران على خلق تجارب ومشاعر مثل الرهبة والطمأنينة والسكينة والقوة، ومن ثم
زيادة احتمالية بقاء الفراغ في الذاكرة.
إن الانطباع الأول لحي السفارات، على سبيل المثال، دائمًا ما يدور حول حميميته وهدوءه مقارنة ببقية أحياء الرياض. وكأنه الحي المثالي لتربية طفل يذهب ويعود مشيًا من مدرسته، يلعب في حديقة الحارة بأمان، ثم يعود لمنزله ذي الواجهة البسيطة ذات السور القصير والباب الأقصر، مرحبًا به بعد يوم طويل. لو أمعنا النظر في بقية تفاصيل البيوت والحدائق والأرصفة، سنجدها بشكل عام أصغر حجمًا وأقصر طولًا من أي حي آخر. ولأنها قريبة من الأطوال العامة للإنسان، فهي تخلق مشاعر الأمان والحميمية والسكينة. ولا نغفل بالتأكيد عن وجود عوامل أخرى مساندة مثل المواد المستخدمة التي تبدو طبيعية، والتشجير، وسهولة المشي التي تتيح تأمل وتقدير التفاصيل الصغيرة القريبة من كل من يمشي.
وعلى النقيض، فإن تجمع ناطحات السحاب المختلفة الشكل في مركز الملك عبد الله المالي جعل من المكان معلمًا للرياض من الخارج، وكأنه حصن منيع يحمي جوهره. فور دخولك إلى مناطقه الخمسة، فإن طول المباني وتجمعها يحجب أي امتداد بصري مع الرياض، ليشعرك وكأنك دخلت بلورة الزمن مسافرًا عبرها إلى مستقبل بعيد. العجيب أنه مع تنافس المباني في الطول، إلا أن شعور التجول داخل المنطقة مريح. قد يُعزى ذلك لرحابة الساحات والفراغات بين المباني المخصصة للمشي، وما ضاق منها ظللته جسور تربط بين المباني لتقريب المسافة من الشخص الواقف أسفلها. هذه الرحابة سمحت أيضًا بخلق مساحة لتأمل تشابكات المباني واختلافاتها، ومن ثم الارتباط بها بدلاً من الاختناق منها. وبشكل جزئي، فإن التلاعب في ارتفاعات المساحات والسلالم خلق لحظات من السيطرة والقدرة لمن هم في الأعلى. مثلًا، جلسات المطاعم المرتفعة المطلة على مساحات منخفضة، تسمح لمستخدميها بمراقبة المشاة من الأعلى، ليخلق ذلك شعورًا بالقدرة على منافسة المباني ومن هم داخلها. ولو كانت الساحات على مستوى واحد في مقابل ارتفاع ناطحات السحاب، لخلقت تجربة تقزم عوضًا عن ذلك.
استمرارية عنصر الدهشة
إن اختلاف مستويات ساحات مركز الملك عبد الله المالي بالإضافة إلى عدم استخدام التخطيط الشبكي للمباني خلق فرصًا مستمرة لاكتشاف مناطقها. رحلة المشي من مكان العمل في المنطقة الثالثة، على سبيل المثال، إلى مطعم في منطقة أخرى يتطلب نزول سلالم وصعود غيرها، وأحيانًا الدخول داخل مبنى ثم الخروج من نقطة أخرى. رحلة الوصول إلى الوجهة يتضمنها اكتشاف مقهى جديد في زقاق لم يكن واضحًا، أو يظهر زاوية جديدة لتأمل جمال الجامع الأكبر بشكل مختلف. حتى الجالس في أحد الجلسات الخارجية تجده يكرر النظر لتعانق المباني وروعة تصميمها. استمرارية الدهشة تشمل أيضًا المنظر الثابت من مكاتب الموظفين، حيث يجدد المنظر نفسه مع تغير أيام فصول السنة، بدءًا من غروب الشمس اليومي، لاكتناز السماء بالغيوم في الشتاء، حيث كلها تغير من درجات الألوان وانعكاسات
السماء في عالم المرايا الممتد على مبانيها.
خلق الدهشة واستمراريتها لا يتطلب ناطحات سحاب صممها أبرز المكاتب المعمارية في العالم لتأخذك للمستقبل، فستجده حاضرًا في سوق المعيقلية الشعبي متنقلًا بين الأزمنة كلها. هذا السوق يبدو كالمتاهة التي لا تعلم بدايتها من نهايتها، ومن أي نقطة بدأت جولتك فستعيش رحلة مختلفة كل مرة. أسواق متجمعة بالطريقة العشوائية للأسواق القديمة، مجاورًا قصر المربع الطيني الضخم، وقصر الحكم، وميادين تحاول جاهدة أن تجمع تلك الوظائف المختلفة مع بعضها البعض، كل ذلك محاطًا بأحياء ومباني وأشجار لا تزال صامدة منذ عقود من الزمن. تباين الباعة والبضائع يوازي اختلاف الزوار من طبقات المجتمع المختلفة وجنسياتهم المتنوعة. لذا، فهو محطة ممتعة لكل زائر أجنبي يرغب بلمس الأصالة الحقيقية للرياض. أثناء تجول لزملاء لي أوروبيين، قال لي أحدهم: “يبدو لي هذا المكان كموقع لفيلم أكشن ينجو فيه البطل بتمويه من يلاحقوه من خلال تلك الأزقة التي لا تعلم ما نهايتها”. والحقيقة، إن تخيل نوع الفيلم الذي قد يشغل فراغًا وقصته طريقة فعالة وسهلة لمعرفة درجة المشاعر ونوعها التي يستثيرها المكان. إذا كان بلا قصة، فهو
فراغ شفاف باهت لا يأخذ المستخدم ومشاعره ودهشته بعين الاعتبار.
ختامًا، تمركز الإنسان في عملية التصميم هي قيمة لا يختلف عليها اثنان، والانتباه لمشاعر الإنسان وأحاسيسه ونوعها هي من أهم ما يخلق التجارب العميقة التي تربط الإنسان بالمكان. وكالقيم الأخرى، أحيانًا ما تُجنب عند اتخاذ قرارات وظيفية عملية أو تجارية، تاركة فراغات باهتة تنسى أو أماكن ذات ممرات خلفية تعلق حتى في أحلام أطفال مروا من جانبها.
* كاتبة ومعمارية سعودية - الرياض
https://www.alyamamahonline.com/881
لماذا يؤثر تعريف المشكلة على الحل؟
كيف نُعرّف المشكلة؟ ولماذا يؤثر التعريف على الحل؟
وماذا لو كنا نعيد إنتاج المشكلات في مدننا بسبب طريقة تعريفنا لها؟
في كتابه Problem Definition in Policy Analysis، يناقش ديفيد ديري (David Dery) كيف أن تعريف المشكلة ليس مجرد خطوة إجرائية، بل هو إطار فكري يوجّه مسار الحلول. فغالبًا ما يتم تبسيط المشكلات إلى فجوة بين “ما هو” و”ما ينبغي أن يكون”، لكن هذا النهج قد يؤدي إلى حلول سطحية لا تعالج الجذور الأساسية للمشكلة.
لنأخذ مثلاً مدينة تعاني من ازدحام مروري خانق؛ هل المشكلة ببساطة هي “نقص الطرق”؟ أم أنها ناتجة عن الحاجة إلى تخطيط أكثر تكاملًا لاستخدامات الأراضي، وضعف في تكامل وسائل النقل، وسلوكيات التنقل غير المستدامة؟
يرى ديري أن السياسات الجيدة لا تفرض أهدافًا جاهزة مسبقًا، بل تتطور من خلال التجربة والتحليل المستمر. هذا ينطبق على التخطيط الحضري أيضًا، بحيث يمكن أن يؤدي التعريف غير الدقيق للمشكلات إلى قرارات غير فعالة تؤثر على جودة الحياة في المدن، وقد لا تعالج العوامل الجوهرية المؤثرة بالشكل المطلوب.
How do we define a problem? And why does the definition shape the solution?
What if we are continuously recreating urban challenges because of the way we define them?
In his book Problem Definition in Policy Analysis, David Dery argues that problem definition is not merely a procedural step, but a cognitive framework that shapes the course of action. Problems are often reduced to a gap between “what is” and “what ought to be,” but this approach risks leading to superficial solutions that fail to address the fundamental roots of the problem.
Take, for example, a city struggling with severe traffic congestion—is the problem simply a “lack of roads”? Or is it actually a result of the need for more integrated land-use planning, poor coordination of public transportation, and unsustainable mobility behaviors?
Dery emphasizes that effective policies do not impose predefined goals but evolve through experience and continuous analysis. This applies to urban planning as well, where an imprecise definition of problems can lead to ineffective decisions that impact urban quality of life and may not effectively address the key underlying factors.
وماذا لو كنا نعيد إنتاج المشكلات في مدننا بسبب طريقة تعريفنا لها؟
في كتابه Problem Definition in Policy Analysis، يناقش ديفيد ديري (David Dery) كيف أن تعريف المشكلة ليس مجرد خطوة إجرائية، بل هو إطار فكري يوجّه مسار الحلول. فغالبًا ما يتم تبسيط المشكلات إلى فجوة بين “ما هو” و”ما ينبغي أن يكون”، لكن هذا النهج قد يؤدي إلى حلول سطحية لا تعالج الجذور الأساسية للمشكلة.
لنأخذ مثلاً مدينة تعاني من ازدحام مروري خانق؛ هل المشكلة ببساطة هي “نقص الطرق”؟ أم أنها ناتجة عن الحاجة إلى تخطيط أكثر تكاملًا لاستخدامات الأراضي، وضعف في تكامل وسائل النقل، وسلوكيات التنقل غير المستدامة؟
يرى ديري أن السياسات الجيدة لا تفرض أهدافًا جاهزة مسبقًا، بل تتطور من خلال التجربة والتحليل المستمر. هذا ينطبق على التخطيط الحضري أيضًا، بحيث يمكن أن يؤدي التعريف غير الدقيق للمشكلات إلى قرارات غير فعالة تؤثر على جودة الحياة في المدن، وقد لا تعالج العوامل الجوهرية المؤثرة بالشكل المطلوب.
How do we define a problem? And why does the definition shape the solution?
What if we are continuously recreating urban challenges because of the way we define them?
In his book Problem Definition in Policy Analysis, David Dery argues that problem definition is not merely a procedural step, but a cognitive framework that shapes the course of action. Problems are often reduced to a gap between “what is” and “what ought to be,” but this approach risks leading to superficial solutions that fail to address the fundamental roots of the problem.
Take, for example, a city struggling with severe traffic congestion—is the problem simply a “lack of roads”? Or is it actually a result of the need for more integrated land-use planning, poor coordination of public transportation, and unsustainable mobility behaviors?
Dery emphasizes that effective policies do not impose predefined goals but evolve through experience and continuous analysis. This applies to urban planning as well, where an imprecise definition of problems can lead to ineffective decisions that impact urban quality of life and may not effectively address the key underlying factors.
التكلفة الباهظة للمواقف المجانية في المدينة
توفي في بداية هذا الشهر خبير تخطيط المدن وإدارة مواقف السيارات البروفيسور دونالد شوب ، وقد نعته "مجلة الإيكونيميست" في عدد هذا الأسبوع 13 فبراير. دونالد شوب هو صاحب الكتاب المشهور دولياً "الثمن الباهظ للمواقف المجانية The High Cost of Free Parking" والذي تحدثنا عنه في مقال سابق لنا بعنوان "إعادة النظر في تخطيط وإدارة مواقف السيارات". لقد كان لأفكاره تأثير بالغ في إدارة وتخطيط النقل لدرجة أن كثيراً من المدن الأمريكية وغيرها من دول العالم تبنت هذه الأفكار وغيرت من بعض تشريعاتها العمرانية خاصة تلك التي تتعلق بالحد الأدنى للمواقف الخاصة ببعض الاستعمالات. وقد كان لهذه الأفكار دور حاسم في رفع كفاءة أداء المدينة لوظائفها وتقليص الكلفة العالية لمواقفها.
يشكل التعامل مع السيارات مشكلة معقدة أمام القائمين على إدارة المدن بسبب المساحات الشاسعة للمواقف والطرقات التي قد تصل في بعض الحالات لنصف مساحة المدينة. وبالتالي فليس من الحكمة أن تستهلك استخدامات السيارة كل هذه المساحة من الأراضي التي تمثل الأصول الأكثر قيمة في أي مدينة. وما يزيد الطين بلة ويعقد المشكلة أكثر هو جشع السيارة في طلب المزيد من الأراضي من خلال دفع الكتلة العمرانية للتمدد نحو الضواحي والأطراف لتلتهم المزيد من الأراضي كمساحات إسفلتية. هذا فضلاً عما تسببه من اختناقات على الطرقات وتلوث هوائي وضوضائي.
إذا كان سكان المدينة قد استمرأوا مجانية المواقف لدرجة أصبحوا يرونها حقاً راسخاً، فإن دونالد شوب ضرب هذه الفكرة في الصميم حين وضح بالبرهان القاطع أنهم يدفعون تكلفتها في جميع جوانب حياتهم الأخرى. فتكلفة المواقف "المجانية" متضمنة أصلاً في أسعار الأراضي وتكاليف التطوير وسيتم تحميلها على أسعار السلع والخدمات والإيجارات التي سيدفعها في النهاية كل زبون حتى وإن لم يمتلك سيارة. علاوة على هذا، فهناك تكلفة أخرى تتمثل في الوقت المستغرق في البحث عن موقف للسيارة حيث يضطر كثير من السائقين من 8% ويصل في بعض الأماكن إلى 74% للبحث على الأقل لمدة ثلاث دقائق للحصول على موقف وهو ما يعني قطع مسافة طويلة على امتداد السنة بحثاً عن موقف قد تعادل أربع مرات مسافة الرحلة للقمر.
من هنا جاءت دعوة البروفيسور شوب للتخلي عن مبدأ الحد الأدنى للمواقف والاستعاضة عنها بالعدادات الذكية مع اختلاف الرسوم بحسب أوقات الذروة خلال أيام العمل ومراعاة تحقيق معدل شغور لا يتعدى 15% في أي شارع. بهذا ستكون هناك إمكانية الحصول على موقف شريطة دفع ما يترتب عن ذلك من رسوم ترتفع وتنخفض حسب أوقات الذروة. وقد استجابت لهذه الدعوة ما يزيد عن 35 مدينة أمريكية ملغية الحد الأدنى للمواقف عن كل استعمال وتتبنى في المقابل أسلوب رسوم العدادات الذكية في إدارة المواقف.
Subscribe to:
Posts (Atom)




In Harar, humans and hyenas have lived side by side for centuries. Instead of chasing them away, locals feed these powerful scavengers by hand.
Every night, "hyena men" step into the darkness with baskets of meat, calling out to the animals - some by name - and offering them food.
The hyenas, in turn, clean up the city’s waste, reducing the spread of disease and even keeping more dangerous predators at bay.
In return, the hyenas remain surprisingly gentle around people.
While many cities struggle with human-wildlife conflict, Harar has embraced its wild neighbors.
The result? A harmonious, mutually beneficial relationship that has lasted for generations.
🔹 Hyenas help keep the city clean, acting as natural waste disposers.
🔹 Attacks on people are rare, as the hyenas associate humans with food, not fear.
🔹 Tourists now flock to Harar, fascinated by this ancient tradition.
Hyenas often get a bad reputation—portrayed in movies as cunning, villainous scavengers. But in reality, they are intelligent, highly social creatures with complex family structures and remarkable adaptability.
Harar’s story challenges the way we think about wildlife. Instead of assuming that wild animals and humans must always be in conflict, it shows that coexistence is possible when respect, tradition, and understanding come together.