Friday, January 23, 2026

بنك أمستردام


في أواخر القرن السادس عشر، لم يكن هناك شيء اسمه "هولندا" على الخارطة السياسية كقوة عظمى. حيث كانت مجرد مجموعة من المقاطعات المنخفضة الغارقة في الوحل والمياه، تخوض نضالاً يائسًا ودمويًا (حرب الثمانين عامًا) للتحرر من قبضة الإمبراطورية الإسبانية الكاثوليكية الجبارة. كانت المعادلة تبدو مستحيلة: كيف لمجموعة من الصيادين والمزارعين البروتستانت أن يتحدوا واحدة من أعظم القوى الإمبراطورية في أوروبا؟ لكن الهولنديين، الذين قضوا قرونًا يصدون البحر بالسدود، تعلموا درسًا واحدًا: "إذا لم تستطع هزيمة البحر، فاركب موجه".  

قبل أن يحلم الهولنديون بذهب الشرق، كانوا قد خاضوا حرباً صامتة لترويض أرضهم الطينية. فقد أجبرهم العيش تحت مستوى سطح البحر على ابتكار نظام إدارة مياه صارم وتعاوني (مجالس المياه)، حول المستنقعات عبر طواحين الهواء والسدود إلى "أراضي بولدر" خصبة، خصصوها لزراعة المحاصيل النقدية عالية القيمة (كالكتان والألبان) بدلاً من الحبوب. ولتأمين خبزهم، سيطروا على نقل معظم الحبوب والأخشاب من بولندا وروسيا في ما عُرف بـ "التجارة الأم" (Moedernegotie) في بحر البلطيق. كانت هذه التجارة "المملة" وغير البراقة هي العمود الفقري الحقيقي الذي راكم رأس المال الأولي، ووفر الخشب الرخيص لبناء أساطيلهم، جاعلة من أمستردام مخزناً للحبوب قبل أن تكون مخزناً للتوابل.  

تضافر مع هذا الأساس المادي عامل بشري حاسم نتج عن مأساة سياسية. فحين سقطت مدينة "أنتويرب" (التي كانت جوهرة التجارة حينها) في يد الإسبان عام 1585، فرّ آلاف التجار والحرفيين واليهود والبروتستانت بمهاراتهم وأموالهم وشبكاتهم التجارية شمالاً نحو أمستردام الآمنة، في أكبر عملية "نقل عقول" في ذلك العصر. استثمر الهولنديون هذا الطوفان البشري بذكاء، فأسسوا "بنك أمستردام" (Wisselbank) عام 1609، الذي وفر استقراراً مالياً غير مسبوق في عالم العملات الفوضوي، وخفض أسعار الفائدة إلى مستويات دنيا، مما سمح للتاجر الهولندي باقتراض المال لبناء السفن بتكلفة أقل بكثير من منافسه الإنجليزي أو الفرنسي، واضعين بذلك الأساس المالي المتين الذي قامت عليه لاحقاً مغامراتهم العالمية.  

بدأت المعجزة بابتكار هندسي بسيط ولكنه عبقري. صمم الهولنديون سفينة شحن جديدة أسموها "الفلويت" (Fluyt). كانت هذه السفينة "قبيحة" مقارنة بالسفن الحربية الإنجليزية والإسبانية، عريضة البطن، رخيصة البناء، وتتطلب عددًا قليلاً نسبيًا من البحارة لتشغيلها. هذا الابتكار منحهم ميزة شحن أرخص بكثير من المنافسين، فتمكنوا من السيطرة على جزء ضخم من التجارة الأوروبية بنقل البضائع للجميع، حتى لبعض منافسيهم.  

وفي عام 1602، قاموا بخطوة اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ: أسسوا "شركة الهند الشرقية الهولندية" (VOC)، التي كانت كيان شبه سيادي. يملك الحق في إنشاء الحصون، ورفع الجيوش، وعقد المعاهدات، وضرب العملة في مناطق نشاطه، مع احتكار واسع لتجارة التوابل (جوزة الطيب والقرنفل) من جزر إندونيسيا. ولتمويل هذا الكيان، نشأ في أمستردام واحد من أوائل أسواق الأسهم الحديثة في العالم، حيث أصبح بإمكان فئات واسعة من التجار والمستثمرين شراء "سهم" في الشركة وانتظار الأرباح. مع الوقت، تدفقت الأموال كالشلال، وتحولت أمستردام من ميناء موحل إلى "مخزن العالم" الذي تتكدس فيه بضائع الشرق والغرب.  

خلال القرن السابع عشر، عاشت الجمهورية الهولندية عصرها الذهبي. تحولت إلى أعظم قوة تجارية–بحرية في أوروبا، بأسطول تجاري يفوق معظم القوى الأوروبية مجتمعة من حيث القدرة على نقل البضائع عبر البحار. وبسبب سياسة "التسامح الديني" البراغماتية، تدفقت العقول والأموال الهاربة من اضطهاد محاكم التفتيش والحروب الدينية في أوروبا (يهود، وهوغونوت فرنسيون، ومفكرون) إلى أمستردام، حاملين معهم رؤوس أموالهم وخبراتهم. في هذا الجو المشبع بالمال والحرية، رسم رمبرانت لوحاته الخالدة، ونظر ليفينهوك في المجهر لأول مرة، وأصبح المواطن الهولندي يتمتع بمستوى معيشة ودخل للفرد من الأعلى في أوروبا، يأكل التوابل الشرقية ويرتدي الحرير القادم من أقاصي آسيا.  

لكن، وكما هو حال كل قوة صاعدة، كان الصعود يحمل بذور التراجع. النجاح الهولندي المذهل أثار حفيظة الجارين العملاقين اللذين استيقظا متأخرين: إنجلترا التي تريد السيادة على البحر، وفرنسا التي تطمح للهيمنة على البر الأوروبي.  

بدأت إنجلترا، تحت حكم كرومويل ثم تشارلز الثاني، بسن "قوانين الملاحة" التي تستهدف ضرب دور الوسطاء الهولنديين ومنع سفنهم من نقل البضائع الإنجليزية، مما أشعل سلسلة من "الحروب الأنجلو–هولندية". ورغم أن الهولنديين حققوا انتصارات بحرية مذهلة (مثل غارة الأدميرال دي رويتر الجريئة التي أحرق فيها جزءًا مهمًا من الأسطول الإنجليزي في عقر داره عام 1667)، إلا أن الكلفة كانت باهظة على جمهورية صغيرة الموارد والسكان.  

ثم جاءت الكارثة الكبرى في عام 1672، والذي يسمى في التاريخ الهولندي "سنة الكارثة" (Rampjaar). في ذلك العام، هاجمت فرنسا بقيادة لويس الرابع عشر، ومعها إنجلترا وحلفاء ألمان (مونستر وكولونيا)، الجمهورية الهولندية في وقت واحد. اجتاح الجيش الفرنسي مساحات واسعة من الأراضي الهولندية، واضطر القادة الهولنديون لفتح السدود وإغراق أجزاء من أراضيهم الزراعية بالمياه لتشكيل "خط دفاع مائي" يائس لوقف الزحف الفرنسي وحماية قلب البلاد والعاصمة التجارية أمستردام.  

نجت هولندا من المحو، لكنها خرجت منهكة تماماً. أدرك الهولنديون حقيقة قاسية: "نحن أصغر من أن نحارب الجميع إلى الأبد". لم يستطيعوا مجاراة الكتلة البشرية والعسكرية لفرنسا، ولا القوة البحرية–الصناعية الصاعدة لبريطانيا.  

بحلول القرن الثامن عشر، بدأ التحول الهادئ. تراجعت طموحات هولندا كقوة عسكرية–إمبراطورية أولى، وركزت أكثر على ما تتقنه: المال والتمويل. ومع انتقال الكثير من الخبرة المالية الهولندية إلى إنجلترا، خاصة بعد أن أصبح الأمير الهولندي ويليام الثالث ملكًا على إنجلترا، تعزز صعود لندن كمركز مالي أوروبي، فيما حافظت أمستردام على دور مهم لكنها لم تعد نقطة الثقل الوحيدة. تحول الاقتصاد الهولندي من "المغامرة التجارية المسلحة" إلى "الإقراض البنكي" والاستثمار، وأصبح الهولنديون من كبار ممولي الحروب الأوروبية، يقرضون المال لبريطانيا وفرنسا كي يتصارعوا فيما بينهم.  

وهكذا، لم تسقط هولندا بانهيار درامي مفاجئ مثل روما، بل "انكمشت" بوقار. تراجعت من مقدمة المسرح العالمي كقوة مهيمنة، لتكتفي بمقعد مريح في الصف الأول كدولة ثرية، ومتحضرة، ومؤثرة ماليًا وثقافيًا، تاركة صراع العروش والحروب الدموية للعمالقة الجدد.

No comments:

Post a Comment